فخر الدين الرازي
70
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والمعقول غير المغفول عنه ، ثم تلك الموجدية حادثة ، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان اللّه / تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى اللّه تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في موجدية اللّه تعالى لأنه قديم ، فكانت موجوديته قديمة ، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة واللّه الهادي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام . الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم اللّه تعالى عن هذه الشبهة من وجوه . الأول : ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى . [ الشبهة الثانية ] فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعى أنه على دين إبراهيم عليه السلام . قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلًا بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام ، وأن محمداً عليه السلام لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين إبراهيم . ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله : تَهْتَدُوا أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما قوله : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ففي انتصاب ملة أربعة أقوال . الأول : لأنه عطف في المعنى على قوله : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى وتقديره قالوا : اتبعوا / اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم . الثاني : على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم . الثالث : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهلها . الرابع : التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ الأعرج : ملة إبراهيم بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبراً أما قوله : حَنِيفاً ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان . الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج :